تُعدّ السنوات المبكرة أهم مرحلة في حياة الطفل، إذ ترسي الأساس لمستقبله. ولا يقتصر التعليم في مرحلة ما قبل المدرسة على تنمية مهارات القراءة والكتابة والحساب، بل يؤدي دورًا بالغ الأهمية في تشكيل شخصية الطفل، وتصوّره لذاته، وكفاءته الاجتماعية، وتوجّهه العام نحو التعلّم. فما الذي ينبغي أن نضعه في الاعتبار عند اختيار روضة تمكّن أطفالنا من أن يصبحوا واثقين بأنفسهم، ومتمكّنين، ومبدعين، وقادرين على النجاح في أي بيئة ينتقلون إليها مستقبلًا؟
ريجيو إميليا مدينة تقع في شمال إيطاليا، ومنها انطلق هذا النهج التربوي المعروف عالميًا، الذي أسّسه التربوي لوريس مالاغوتسي بعد الحرب العالمية الثانية. وقد نشأ هذا النهج بدعم من مجتمع ريجيو إميليا بأكمله، ويستند إلى مبادئ النظرية البنائية وقيم الاحترام والمسؤولية وروح المجتمع، حيث يتعلّم الأطفال من خلال الاستكشاف والاكتشاف واللعب.
وتستلهم إيتون هاوس هذا النهج التربوي منذ ثلاثة عقود. كما تعاونت مع مؤسسة «ريجيو تشيلدرن» لتأسيس «ريتش» (ريجيو إميليا للأطفال في آسيا)، وهي جزء من الشبكة العالمية لـ Reggio Children.
زورونا وتعرّفوا إلى نهجنا الفريد ثنائي اللغة القائم على الاستقصاء.
ما المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها هذا النهج وتوجّهه؟
من أكثر المبادئ ارتباطاً بنهج ريجيو إميليا الإيمان بأن لدى الأطفال «مئة لغة» للتعبير. فقد تحدث لوريس مالاغوتزي عن مئة لغة الطفل، في إشارة إلى الطرق اللامحدودة التي يستطيع الأطفال من خلالها التعبير عن أنفسهم، واستكشاف أفكارهم، وربطها بخيالهم، وبناء فهمهم للعالم من حولهم. وفي رياض الأطفال المستوحاة من نهج ريجيو إميليا، تُهيَّأ البيئة التعليمية بعناية لتضم موارد ومواد متنوعة تتيح للأطفال التعبير من خلال هذه «اللغات المئة». ويُنظر إلى الأطفال بوصفهم مشاركين فاعلين في تعلّمهم، حيث يستخدمون هذه المواد والأدوات لترجمة أفكارهم وفهمهم للعالم من حولهم والتعبير عنها. وفي إيتون هاوس، نتبنى نهجاً قائماً على اهتمامات الأطفال، نحترم من خلاله أفكارهم ونقدّر المجتمع الذي ينتمون إليه ويعيشون في كنفه.
نهج ريجيو إميليا: لماذا يُعد خياراً مفيداً لطفلك؟ فمن خلال المثيرات التعليمية التي يُعدّها المعلّمون بعناية، تؤدي البيئة دورًا مهمًا في تعلّم الأطفال، إذ تحفّزهم على التفكير والاستقصاء، وتتيح لهم تعميق أفكارهم ومواصلة تحدّيها.
نؤمن بأن للأطفال الحق في أن يكون لهم صوت مسموع. ويرتبط هذا المبدأ التربوي ارتباطاً وثيقاً بمفهومي “صورة الطفل” و”صورة المعلّم” في إيتون هاوس. ومن ثمّ، يشكّل هذا المفهوم إطاراً قوياً يرسّخ ثقافة مشتركة وروحاً موحّدة داخل بيئتنا المدرسية ومجتمع إيتون هاوس. كما يوجّه تفاعلاتنا مع الأطفال، ليس فقط بصفتنا معلمين.
هل يُعدّ ريجيو إميليا منهجًا دراسيًا؟ وما الذي يميّزه عن غيره من النهج والمناهج؟
ريجيو إميليا فلسفة تربوية ونهج للتعليم يقوم على الإيمان بأن الأطفال يتعلّمون من خلال خوض الحياة ذاتها. وكما يقول جون ديوي: «التعليم ليس إعدادًا للحياة، بل هو الحياة ذاتها». لذلك، يركّز هذا النهج على تمكين الأطفال من استكشاف مفاهيم من واقع الحياة ضمن بيئتهم التعليمية، وتكوين روابط حقيقية مع العالم من حولهم، وتنمية مهارات حياتية تتطور معهم في مختلف مراحل حياتهم.
ويختلف الأمر كثيرًا بالنسبة إلى معلّمي ريجيو إميليا، إذ لا يقتصر دورهم على أداء مهمة المعلّم خلال اليوم الدراسي ثم تركها بانتهاء الدوام، بل يصبح هذا النهج أسلوب حياة متأصلًا يعبّر عنه كلٌّ منهم بطريقته الخاصة. فنحن جميعًا نؤمن بهذا النهج بشغف، حتى إن طريقة تفاعلنا مع الآخرين في حياتنا الشخصية تشبه إلى حد كبير طريقة تفاعلنا معهم في حياتنا المهنية.
إذا كانت البيئة هي المعلّم الثالث للطفل، فكيف تبدو البيئة المستلهمة من نهج ريجيو إميليا في مدرستكم؟
تضم صفوفنا عناصر ومواد حقيقية يرتبط بها الأطفال بصورة طبيعية. ففي ركن المنزل بصفوف ما قبل الحضانة، نوفّر أدوات حقيقية بدلًا من نماذج بلاستيكية تحاكيها. ويتيح ذلك للأطفال استخدامها بصورة طبيعية، لأنهم يعرفونها مسبقًا من المنزل أو المطعم.
كما يجد الأطفال أدوات أكثر تعقيدًا، مثل الأسلاك وقواطع الأسلاك والمقصات، ويحصلون على الدعم اللازم لفهم الغرض من هذه الأدوات واستخدامها بأمان، بما يسهم في تنمية مهاراتهم الحياتية.

تضم مدرستنا مشاغل إبداعية تزخر بمواد متنوعة، تتيح للأطفال التعبير عن أفكارهم واستكشاف مفاهيم أوسع. فعلى سبيل المثال، قد يُنظر في بعض المناهج إلى الرسم على أنه مجرد نشاط للعب، بينما يستثمر معلّمونا هذه التجربة في مراقبة الأطفال أثناء اندماجهم فيها، والتعرّف إلى ما إذا كان الطفل يستكشف فكرة عميقة أو مفاهيم مثل التحوّل والحركة. وينطلق ذلك من احترام الأطفال الصغار بوصفهم أفرادًا لهم أفكارهم وقدراتهم الخاصة. ونهج ريجيو إميليا نهج عالمي مرن يمكن تكييفه ليناسب مختلف السياقات.
كيف يُقيَّم تقدّم الطفل ويُوثَّق في هذا النهج؟
يحظى توثيق أصوات الأطفال بأهمية بالغة لدينا. وفي كل عام، تطلق إيتون هاوس مشروعًا لتوثيق الاستقصاء يشمل جميع الفئات العمرية والمستويات الدراسية. ويساعدنا هذا التوثيق على تكوين فهم أعمق لعمليات تعلّم الأطفال، من خلال مراقبتهم على مدار اليوم. وفي نهاية اليوم، يجتمع الفريق التعليمي مع منسّق المنهج الدراسي أو مدير المدرسة في جلسة لمشاركة الملاحظات المسجّلة عن كل طفل، على المستويين الجماعي والفردي.
كيف يفيد هذا النهج طفلي وأسرتي؟ وما آثاره على المدى البعيد؟
عندما يتعرّف الأطفال والبالغون إلى بيئات ما قبل المدرسة المستلهمة من نهج ريجيو إميليا، ويكتسبون هذه المهارات الحياتية الواقعية، يصبحون أقدر على الانتقال بين مراحل الحياة والتكيّف معها، ويكونون أكثر استعدادًا للنجاح. كما يكتسب الأطفال الثقة اللازمة لطرح الأسئلة، والبحث عن الحلول، والتعاون مع الآخرين، والتعامل مع التحديات بمرونة وقدرة على التكيّف.
فالحياة لا تخلو من التحديات، ومن واجبنا أن نساعد الأطفال على فهمها. ومن خلال التجارب الهادفة والتعلّم القائم على التأمل، ينمّي الأطفال قدرتهم على التكيّف والتفكير النقدي والازدهار في عالم دائم التغيّر. ويُرسّخ هذا الأساس حب التعلّم مدى الحياة، ويُنشئ أطفالًا مستعدين أكاديميًا، ويتمتعون كذلك بالذكاء العاطفي والإبداع والثقة والقدرة على صنع مستقبلهم.
زوروا فروع إيتون هاوس وتعرّفوا إلى نهجنا الفريد ثنائي اللغة القائم على الاستقصاء.